بعد رحيل المؤرخ حميد التريكي… هل يلقى إرثه العلمي المصير نفسه الذي انتهت إليه مكتبات علماء آخرين؟
حين يرحل عالم أو مؤرخ، لا تنطفئ حياته العلمية بمواراته الثرى، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية: ماذا سيحدث لمكتبته الخاصة؟ ذلك الفضاء الذي راكم فيه، على امتداد عقود، خلاصة قراءاته، وهوامشه، ووثائقه، ومراسلاته، وطبعاته النادرة، والذي يمثل في حقيقته أرشيفاً للذاكرة الوطنية قبل أن يكون ملكية خاصة.
في كثير من الحالات، يكون مصير هذه المكتبات مؤلماً؛ فتتوزع بين الورثة، أو تباع متفرقة في أسواق الكتب المستعملة، أو تبقى رهينة الإهمال حتى يأتي عليها التلف. وهكذا تضيع سنوات طويلة من البحث والتوثيق، ويخسر الباحثون والطلبة مصادر كان يمكن أن تظل شاهدة على مسيرة أصحابها.
ويعيد رحيل المؤرخ المغربي حميد التريكي إلى الواجهة هذا السؤال الملح: ما مصير مكتبته الخاصة؟ وهل ستجد من يحفظها للأجيال القادمة؟
لم يكن حميد التريكي مجرد جامع للكتب، بل كان واحداً من الباحثين الذين كرسوا مسارهم لدراسة تاريخ المغرب، والأندلس، والعمران، والتراث المادي واللامادي. وتؤكد الصفحة التعريفية التي خصصها له معهد ثيربانتس بمراكش أنه تعاون مع المعهد، وكان عضواً في اللجنة العلمية لمؤسسة El Legado Andalusí الإسبانية، وشارك في مشاريع علمية مرتبطة بتاريخ الأندلس والعلاقات الحضارية بين المغرب وإسبانيا.
كما توثق المكتبة الوطنية الفرنسية (Bibliothèque nationale de France – BnF) عدداً من مؤلفاته، من بينها كتب حول مراكش وفاس وآسفي، والطرق التاريخية بالمغرب، وكتاب Sur les traces d’Ibn Battouta، إلى جانب مؤلفات أخرى تناولت التراث الأندلسي والهوية الثقافية المغربية، وهو ما يعكس حضور إنتاجه في واحدة من أهم قواعد البيانات الببليوغرافية العالمية.
ومن خلال مؤلفاته يتضح أن اهتمامه لم يكن منصباً على الأحداث السياسية فحسب، بل امتد إلى ذاكرة المدن، والمعمار، والمسالك التاريخية، والخزف، والتراث الشعبي، وهي مجالات جعلت من أعماله مرجعاً للمهتمين بتاريخ المجال المغربي وتنوعه الحضاري.
وتشير شهادات عدد من الباحثين والفاعلين في مجال التراث، ممن اشتغلوا معه أو عاصروه، إلى أنه أسهم في مشاريع لتثمين التراث المغربي، وخاصة بمدينة مراكش. ومن بين هذه الشهادات ما أورده المؤرخ إبراهيم كردية، الذي تحدث عن مساهمة حميد التريكي في إعداد المادة التاريخية المرتبطة بملف ساحة جامع الفنا، وعن اهتمامه المبكر بتوثيق فنون الحلقة والذاكرة الشفوية للساحة، فضلاً عن مساهمته في التصور العلمي لمتحف تراث جامع الفنا. وتبقى هذه المعطيات شهادات من معاصرين تستدعي الاستناد إلى الوثائق الرسمية للمشروع عند توثيقها أكاديمياً.
كما ارتبط اسم الراحل بمدينة آسفي، مسقط رأسه، حيث انشغل بتاريخها وتراثها، وأصدر مؤلفات حول تاريخها وخزفها، وأسهم، بحسب شهادات فاعلين محليين، في مبادرات تهدف إلى توثيق معالمها التاريخية وصيانة ذاكرتها الثقافية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمسيرة الرجل، وإنما بما تركه وراءه. فمكتبة باحث قضى عمره بين الوثائق والمخطوطات والمراجع ليست مجرد أثاث منزلي يمكن بيعه أو توزيعه، وإنما هي جزء من تاريخ البحث العلمي نفسه. ففي مثل هذه المكتبات تحفظ النسخ النادرة، والهوامش الشخصية، والمذكرات، والوثائق التي قد لا تكون منشورة في أي مكان آخر.
إن دولاً كثيرة أدركت قيمة هذا الإرث، فأنشأت برامج لاقتناء مكتبات العلماء وإلحاقها بالمكتبات الوطنية والجامعات، مع الحفاظ عليها كوحدات متكاملة تحمل أسماء أصحابها. أما في العالم العربي، فلا تزال مكتبات كثيرة تلقى مصيراً مؤسفاً، فتتفرق محتوياتها أو تضيع مع مرور الزمن.
وربما يكون رحيل حميد التريكي مناسبة لفتح نقاش وطني جاد حول حماية المكتبات الخاصة للعلماء والمفكرين، لأن الحفاظ على الكتاب الذي عاش مع صاحبه عشرات السنين لا يقل أهمية عن الحفاظ على المخطوط أو المعلمة التاريخية. فالمكتبات الخاصة ليست ملكاً لعائلة العالم وحدها، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية للأمة.
المراجع
* معهد ثيربانتس بمراكش: الصفحة التعريفية بالمؤرخ حميد التريكي
https://cultura.cervantes.es/marrakech/es/hamid-triki.-historiador-de–al-%C3%A1ndalus-/158206
* المكتبة الوطنية الفرنسية (Bibliothèque nationale de France – BnF): فهرس مؤلفات حميد التريكي
https://data.bnf.fr/fr/12187057/hamid_triki/
* مؤسسة دار بلارج: تكريم المؤرخ حميد التريكي سنة 2023.
* شهادة المؤرخ إبراهيم كردية حول إسهامات حميد التريكي في توثيق تراث ساحة جامع الفنا (فيديو منشور على يوتيوب، )